الجاحظ
225
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وقال آخر في مثل ذلك : لا أسأل الناس عما في ضمائرهم * ما في الضمير لهم من ذاك يكفيني وقال حمزة بن بيض « 1 » : لم يكن عن جناية لحقتني * لا يساري ولا يميني جنتني بل جناها أخ عليّ كريم * وعلى أهلها براقش تجني لأن هذه الكلبة ، وهي براقش ، نبحت غزّى ، قد مروا من ورائهم وقد رجعوا خائبين مخفقين ، فلما نبحتهم استدلوا بنباحها على أهلها واستباحوهم ، ولو سكتت كانوا قد سلموا . ( فضرب ابن بيض به المثل ) . وقال الأخطل : تنقّ بلا شيء شيوخ محارب * وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت * فدلّ عليها صوتها حية البحر النقيق : صياح الضفادع . وقالوا : « الصمت حكم وقليل فاعله » . وقالوا : « استكثر من الهيبة صامت » . وقيل لرجل من كلب طويل الصمت : بحق ما سمتكم العرب خرس العرب . فقال : « أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم » . وكانوا يقولون : « لا تعدلوا بالسلامة شيئا » . ولا تسمع الناس يقولون : جلد فلان حين سكت ، ولا قتل فلان حين صمت . وتسمعهم يقولون : جلد فلان حين قال كذا ، وقتل حين قال كذا وكذا . وفي الحديث المأثور : « رحم اللّه من سكت فسلم ، أو قال فغنم » .
--> ( 1 ) حمزة بن بيض : شاعر أموي ماجن متكسب بشعر مدح المهلب بن أبي صفرة وولده وحظي عندهما .